بقلم محمّد داني/المغرب2008
تجلّيات الشعر و الجماليّة
خلق متوال في رحلة أوديسية حيث استطاع فيها الشاعر التونسي الكبير عليس هذه الرحلة: سي محمد النجار، أن يجعل الجسد يتشظى جوانيا وبرانيا لخلق مستويات متعددة ما بين المعرفية والانطولوجية. ومن ثم وضع في هذه الأوديسا الجميلة صورا يتجسد فيها المطلق، الذي نتلمس في ثناياه الخلق، والتفاعل الحسي والخيالي.فشعرنا ونحن نسبر أغوار هذه الأوديسا ، ونسبح في عوالمها الشعرية والخيالية لامسنا الإشعاع الذي فجر فينا كوامن المتعة، وطقوس اللذة. فانمحت بذلك فواصل الامتلاك والاستتباع وفعل الوجود.الشيء الذي جعلنا ونحن في قراءة هذه الأوديسا نكتشف لحظات إشراقية يتجلى فيها الظهور والخفاء، مع خلق علاقات تواصلية ما بين المقابلة والمفاضلة، يتقلص فيها ذاتنا وحسنا، لتحيا فينا ونحن في موج هذه الأوديسا الجميلة، طقوس الاحتفاء الشعري.
إن هذه الجمالية التي سطرها سي النجار بكل فنية ترشح بصور جميلة انتفت في إطارها الأزواج والثنائيات الميتافيزيقية: الحقيقة والمجاز، الدال والمدلول، الواقع والخيال، اللغة والكلام...
ومن خلال هذه الصور قرب لنا عالمين متباعدين الشيء الذي خلق فينا نوعا من التأثير الانفعالي الذي نحقق به المتعة الشعرية في منتهى فنيتها وجماليتها.
كما لا يفوتني التنبيه إلى الفنية التي مزج فيها سي النجار في خلق الصورة بين المادي والحسي، او بين المعقول والمتخيل، فنقل الصور من ماديتها إلى حسيتها والعكس... وهذا دليل على شاعرية هذا العليس التونسي الجميل...
إن سي محمد النجار يقوم بعملية تشكيل فني يلامس فيه هرمونية الشعر وجماليات الإلقاء والتلقي ليؤشر بذلك على برانية القصيدة للنفاذ إلى جوانيتها...ويمكن ملاحظة الخطاب الشعري الذي اعتمده سي النجار للوقوف على هذه التشكيلية الكبيرة، والتي تظهر فيها احترافية سي النجار، والتي يتأسس فيها حوار تفاعلي وفعال ما بين الحقول الموظفة، والتي خدمت القصيدة في مجملها.
هذه في الواقع إضاءات تدفعنا إلى التسليم بأنّ المشروع الشعري والذي أماط سي النجار اللثام عنه في مطلع القصيدة وذلك بالإشارة إلى انها ستكون قصيدة كتاب، نجده يتأسس وفق رؤيا شعرية،تبين مدى التفاعل داخل ا لخطاب الشعري المتمحور حول ( محمد النجار) كاسم، والذي ينبش شعريا في الروابط بين الجسد والتسمية، والرحلة الميتافيزيقية ، مع المزج مابين الاستعارة والحقيقة. وهنا تؤشر بعض بنيات الضمائر على المسافة الموحدة ما بين الذات والجسد، وما بين الحقيقي والاستعاري.فنجد سي النجار يستخدم الضمير في مختلف تلويناته، وصوره،مع توظيف فنّي لكثير من الجمل الطلبية.
إنّ سي محمد النجار يأخذنا في إيقاعية ذاتية جميلة، حيث يوازي فيها بين التركيبي والجناسي، مع فنية انبلاج، ألق شعري يتأسس على هرمونية حركة التعارض والتناقض، والتوتر والصراع.
ومن هنا نجد أن الذاتية وعبورها من الجسد الجواني مرتبطة بالانعكاسات التي يبحث عنها سي محمد النجار في هذه الرحلة الأوديسية، والتي تحمل ألف سؤال حول ماهية السمو الفني والشعري، والمتلمس في تحرير الجسد وعناصره المكونة من محسوسياته، والسمو به على برانية الوجود، وأسراره. .
إن هذا التسامي الذي يرومه سي محمد النجار في قصيدته الكتاب هذه تجعلنا ننتقل من الحس وما ورائه، وندخل بثقة إلى ما وراء الحس، حيث نجد الشعري، وجماله والذي نعيد فيه اعتبارا إلى الذات.. وهنا لا نجد بدّا من استعادة لحظات التشكيل،والانتقال من صورة إلى صورة لنماثل بين رؤيا ورؤيا، فنرتفع من الحس إلى التجريد، مع انغماسنا في استيهامات الذات ونبوءاتها في الحلم واليقظة.
هذا يجعلنا نقف على العلاقات التعارضية التي وظفها سي محمد النجار لتكون صورة لهموم الذات الشاعرة، والذات المتلقية، والتي تصبوان كلاهما إلى التسامي الخلاق، والجمالية المطلقة. ولذا نجد شاعرنا الجميل يعتمد على بعض أساليب الاستفهام الاستنكاري، وأسلوب النفي،ليبن لنا مدى الصراع الذي تعيشه الذات الشاعرة...
والقصيدة التي أبدعها الشاعر التونسي سي محمد النجار، هي جزء من قصيدة طويلة، هي مشروع قصيدة كتاب، عنونها ب( قصيدة الماء أو الأوديسة)...
وعندما نتوقف أمام هذا العنوان كعتبة نصية موازية، يظهر لنا وعي سي محمد النجار بسيميائية العنوان. ويعرف أن العنوان:<< هو مجموعة من الأدلة اللسانية التي يمكن أن تعتلي النص، والإشارة إلى محتواه العام، وإغراء الجمهور المقصود>>(Gérard Genette : seuils, ed ,De seuil, 1987,P : 54) .
لأن سي محمد النجار يعرف أن العنوان عتبة أولى في عملية التلقي، لأنه يتيح إمكانية القراءة والتأويل ( آيت أوشان، ( علي)،الذاكرة والصورة، دار أبي رقراق للطباعة والنشر، ط1، 2000، ص: 17).
وهذا العنوان ، يستند إلى تناص يوحي بالملحمة اليونانية الأوديسة. ولذا تشبه رحلة الشاعر في هذه القصيدة رحلة أوديس( عليس)، والتي استغرقت 10 سنوات للرجوع إلى إيطاكة، حيث زوجته بنلوب وولده تليماك...
إن هذه الرحلة في بحر الظلمات( البحر الأبيض المتوسط)، وهي رحلة مائية، يخترق فيها المجهول، حيث يشكل الماء كل شيء... الوجود كله...وفي هذا الفضاء المائي يتصارع الذاتي بالواقع،ويتشكل السؤال ليكون منطلقا نحو المعرفة، والهوية، وبناء الذات.
"ما معنى الليل؟
أسألني وألوح لي من وراء المياه
لست أبتكر النار
أو أسرق اللون من لونه"
ويشكل البحر مجهولا،يتطلب المغامرة، حيث يغري غناء حورياته بالجنة، واللذة،والخلد في النعيم. وأمام هذا الإغراء يتحمل الشاعر قساوة الرؤيا.
إن الشاعر يتوحد مع الشعر، ليكون الشعر، وليكون اللغة...إن البحث عن اللغة ليبحر فيها، في رحلة اوديسية جميلة، لا تخلو من معاناة ، وتعب... فالبحث والتنقيب عن المعاني، وأصداف اللغة يشعر شاعرنا بالكلل... ولذا يردد ما قاله الفرزدق ذات يوم:<< لخلع ضرس أهون علي من قول بيت من الشعر>>.
إن الصنعة الشعرية صعبة لما فيها من إبحار متواصل، حيث يتحول التيه إلى اندهاش.
وعندما نرى الشكل الهندسي للقصيدة، نجد وعي سي محمد النجار بالمكان وأهميته:<< في تحليل النص خاصة عندما ننتقل من عملية الإلقاء إلى عملية القراءة البصرية. فالنص في هذه الحالة ليس مجالا زمانيا فقط، ولكنه مجال مكاني أيضا، يخضع تركيبه لقوانين تشكيلية استطاع الشعراء العرب القدماء، وخاصة أولئك الذين تمكنوا من تخطيط دواوينهم، أو الإشراف عليها إدراكها بحسهم الفني>>. ( د. بنيس، (محمد)، ظاهرة الشعر المعاصر في المغرب، مقاربة بنيوية تكوينية، دار التنوير، ط 2، 1985، ص:99).
ومن هنا نجد في هذه القصيدة( قصيدة الماء أو الأوديسة)، أن الكتابة الشعرية تمارس في فضاء مفتوح. فطول وقصر البيت الشعري ليس موحدين:<< مما يجعل السواد أحيانا يمتد ويتسع، بحيث لا يملك شكلا ثابتا>> ( علي آيت أوشان،المرجع نفسه، ص:24).
"لسيدة الليل أجنحة
للنجوم مسالكها وممالكها وللذاكرة
أن تلملم فاكهة الليل من قاع السكون
هنا موجة حائرة
يقول الغريب ويبكي على ظله مرتين
***
تتشكل أطياف الماء فراشات وتطير إلى أقصى الليل
فتسقط
تنهض في هيأة أيل مجروح يركض في صحراء الليل
فيسقط"
وقد يتقلص السواد ليزداد البياض مسافة،واتساعا:
"أيّها الوجد، أيّتها الواجدة
لم أفكر ولو مرة واحدة
أن أفسّرني لي
فهل أتسلّل منّي إليكِ
وأمكث فيك قليلا؟
وأنتِ كما أنتِ جالسة تحت حائط قلبي
هنا !
وأنا جالس تحت حائط قلبك
هل كنتِ قبلكِ فيّ؟
أم كنتُ قبليَ فيكِ؟
أكاد أحبّك أكثر منك"
وأحيانا يتقلص السواد أمام سطوة البياض،وسلطته، لنجد كلمة واحدة تحتل وحدها السطر الشعري:
"كانت ملابسها بلون الماء. كان الضوء ينبت خلف خطوتها. وكان الورد يخجل من براءتها
وكنت أنا
هنا !"
مما يجعل المسافة النصية تتجاوز التكرار، لتجنح نحو إيقاعات متنوعة. ومن ثمة تصبح لعبة البياض والإيقاع عند سي محمد النجار تخضع لإيقاعية محددة، خاضعة للدفقة الشعرية عنده، وللصورة الشعرية ومداها...أي أن توزيعية البياض والسواد، تخضع عند سي محمد النجار إلى قواعد دقيقة:<< إن البياض الطباعي لم يعد علامة خارجية، أو وقفة ظاهرية، بات علينا أن نبحث عنه في البنية العميقة للنص الشعري، لأن مثل هذه الكتابة الشعرية تبلبل أساسا نظام الكتابة،وتقلب رأسا على عقب مراجعه المعروفة>> ( داغر، ( شربل)،الشعرية العربية الحديثة: تحليل نصي، دار توبقال للنشر، الدار البيضاء، ط1، 1988، ص: 32).
إن الشاعر محمد النجار بهذه الشكلية في الكتابة، يعيد تشكيل العالم كما يراه هو، وهو في حالة مخاض شعري.
وهو يهتم في شعره بالمكان من خلال جماليات تشكيله.وهو عندما يلجأ إلى المكان فإنه في الواقع يهدف إلى التعبير عن دواخله،وكنهها،ورؤيته للكون، والحياة، والوجود. إنه جزء من الفضاء، والفضاء جزء منه. ويكسب الفضاء المكاني أهميته من خلال اللغة الشعرية الموظفة، والمعجم الذي يمتح منه:
"وأنت كما أنت جالسة تحت حائط قلبي
هنا !
وأنا جالس تحت حائط قلبك
هل كنت قلبك في؟
أم كنت قلبي فيك؟
أكاد أحبك أكثر منك
***
غيمة تطفو على الماء
وأسراب حمام تعبر الآن الخرابا
قمر يسقط في الرمل
وقطعان ذئاب تملأ الآن الهضابا"
والجميل في قصيدة هذا الشاعر الجميل سي محمد النجار، أنّها مشكّلة من صور جميلة، مبتكرة. تشدّ القارئ شدّا. إنه يعتني بها أيّما اعتناء. فيولّدها من تزاوج الألفاظ، ليخرج معاني جديدة، ومشاهد رائعة. وبذلك سي محمد النجار مقنع في شعره، جميل في صوره، أقرب إلى القلب في همسه، محبوب في بوحه، مجدد في تشكيله ولغته.
إنه يمثل واقعية لغوية، ذات روافد معجمية خصبة، وأسلوب سهل ممتنع. لكنها غنية بالصور والرؤى الشعرية الجميلة:
"هل كنت أسرق نارا من ممالكهم
هذا رمادي على أعتابه أقف
وقلت سوف أشقّ البحر يا أبتي
وحين أشرق خلف الريح نأتلف
ها آخر الطير من ضلعي قد انبثقت
وها أنا في أقاصي التيه أرتجف
أنا؟
وأنا أمضغ حجارة اللحظة، أجمع الظلال في قفص الليل، أحفر أرض الدهشة كي أبحث عن الشمس
أما الأمس
فيجيء غدا فوق بساط الذكرى"
هذا وفّر للقصيدة نوعا من الجماليّة، خاصة إذا عرفنا أن الجمالية توحد الوعي، لأنها نتيجة تفاعل بين الشاعر والعالم الذي يعيش فيه أو محيطه العام. فقصيدته جماليتها تكمن في جلب المتعة الفنية لدى المتلقي.
إن كلماته الشعرية، تنطق بالتناغم الموسيقي، وتنبض بالحياة والجمالية، والعذوبة:<< فجمالية العبارة الشعرية تنبع من عذب الألفاظ، والكلمات التي يختارها الشاعر في تصوير الحالة النفسية، والتأثير الشعوري الذي تمر به>> ( هي فاطمة الزهراء،جمالية الرمز في الشعر الصوفي: محيي الدين بن عربي نموذجا، رسالة لنيل شهادة الماجستير في الأدب العربي الحديث، تحت إشراف الدكتور محمد مرتاض، ( س-ج: 2006)، جامعة أبي بكر بلقايد، تلمسان، الجزائر، ص: 60).
فالشاعر سي محمد النجار يختار، وينتقي الألفاظ الواضحة، والدقيقة، والتي تناسب معانيه، وتبرز صوره الشعرية، ويكشف عن مشاعره، وأحاسيسه:
"احتملتُ قساوة الرؤيا إذا اتسعتْ
ولكني تعبت وضاق بي جسدي
لغة بلا عدد
وأصابع مرمية في حفرة
وطفولتي في هيأة امرأة
تسير وحيدة
كانت ملابسها بلون الماء. كان الضوء ينبت خلف خطوتها. وكان الورد يخجل من براءتها
وكنت أنا
هنا ! "
كما نجد سي محمد النجار يؤكّد هذه الجمالية بالإضافة إلى اختياراته اللفظية واللغوية، في الرمز وتوظيفاته الموفقة.
والرمز هو: << تعبير غير مباشر عن فكرة بواسطة استعارة أو حكاية بينها وبين الفكرة مناسبة. وهكذا يكمن الرمز في التشبيهات، والاستعارات، والقصص الأسطوري والملحمي، والغنائي، وفي المأساة والقصة، وفي أبطالها. اتخذه الناس قديما ليبرزوا قيمة الفكرة بواسطة الاستعارة الحسية، أو ليخفوها>> ( المرجع السابق، ص: 62):
"تتشكل أطياف الماء فراشات، وتطير إلى أقصى الليل
فتسقط
تنهض في هيأة أيل مجروح يركض في صحراء الليل
فيسقط
ينهض في هيأة إنسان يعبر منحدر الليل حزينا
وحنينا يعبر منحدر العمر
فيسقط
ينهض في هيأة آلهة متعبة تزحف قرب الليل
سندرك حكمتنا."
إنّ سي محمد النجار يوظف الانزياح اللغوي، والذي يساعده على تحميل اللغة ثقل الصورة والفكرة اللتان يريد تقديمهما للمتلقي...مع استعمال الرمز والإيحاء لجعل التأويل أكثر اتساعا، وأكثر خصوبة. الشيء الذي يوصلنا إلى النور المشعّ في داخله، وإلى الجمالية الدافقة التي تجعل من قصيدته، بل من شعره فنا روحيّا بامتياز. وهذا في الواقع يوصلنا إلى المتعة ولذّة الشعر.
وقد وظف الشاعر التونسي الرقيق محمد النجار رمزا تاريخيا، تمثل في توظيف الفرزدق كاسم يوحي بتراثيته، وبأشياء كثيرة...كما يوحي بصراعاته الشعرية مع جرير،ومواقفه من الشعر، وقول الشعر كرؤيا فنية.
كما استعمل الرمز الأسطوري كبعد جمالي وإنساني. وبذلك جاء العنوان حافلا بهذا النوع من الرمز.
فالأوديسة تحمل كثيرا من الدلالات. كما أن لفظة الماء توحي بقدسيتها، ودينيتها... وتحيل على كثير من القصص القرآني، مثل الطوفان، وغرق فرعون،وانفجار الماء من الحجر، وارتباط الحياة به...
كما نجد عنده نوعا ثالثا، وهو الرمز الفني. وهو ما استعمله سي محمد النجار من تشبيهات،واستعارات،وصور،ومتخيل فني..قربت كلها المعنى. وبذلك جاءت قصيدته رحلة في الذات وفي الإنسان، وفي صيرورة هذه الأمة، ومنطلقاتها، ونكباتها، وانتكاساتها...
وتظهر فنية القصيدة كذلك، في اعتماد الشاعر محمد النجار على استخدام الأنا الفردية. كما استخدم الحوارية مع الآخر( أنت- أنت-هو). ولكن لا يلبث أن يتقلب إلى الأنا الجمعية( نحن)، عندما يتعلق الأمر بالسؤال، والبحث عن الهوية، وتصوير واقع الوجود، والحال الذي آلت إليه الأمة.
إن كل ما يقال عن النص الشعري للشاعر محمد النجار، هو في حد ذاته تلقّ،وقراءة. أي إنها مجموعة من الدلالات يتصورها المتلقي، تساعده على فهم النص، والوقوف على مقصديّاته.
وهذه القصيدة( الأوديسة)، تعتبر من النصوص الراقية، حيث معناها يحيل إلى تعددية في التفسير والتأويل.
وعندما نسترسل في قراءة القصيدة، يتبادر إلى ذهننا أوديس في رحلته، ومواقفه. وهذا بطبيعة الحال يقودنا إلى وضع مفارقة أو مقاربة بين رحلة أوديس ورحلة الشاعر محمد النجار، بين موقفين ، خاصة إذا ما عرفنا انه مثقف مغترب في فرنسا( موقف أوديس/ موقف الشاعر). الشيء الذي نستنتج منه مجموعة من التشابه، والتداخل.
وحتى نتفاعل مع القصيدة أكثر. لا بد لنا من استحضار قصة أوديس ورحلته الشهيرة. والحالة التي كانت عليها مملكته،ومدينته إيطاكة، وموقف زوجته بنلوب من الخطّاب الذين تسارعوا إلى قصرها لخطبتها بعد طول غياب أوديس 20 سنة من الغربة ، والاغتراب.
وكذلك يمكن استحضار قصة الأوديسة للكاتب الفرنسي الشهير( جول فيرن)، ورحلة القبطان نيمو العجيبة تحت الماء، بواسطة غواصته ( نيبتيلوس). وهذا يوقفنا على تشابه الموقفين من حيث الصراع... الصراع من أجل البقاء، ومن أجل إثبات الذات، والحفاظ على الهوية، من اجل الوصول إلى نهاية الرحلة للوصول إلى الحقيقة. وللوصول أيضا إلى نوع من التوازن النفسي، والخروج من الشعور بالغربة، إلى الشعور بالألفة، والاندماج، والتشاركية.
والقصيدة لا تخلو من صيغ متشاكلة، حيث إن حقلها التركيبي المنطقي يوقفنا على العلاقات القائمة بين العلامات في القصيدة كنص. ويمدنا بتأويل هذه العلامات من حيث دلالاتها وإيحاءاتها(د. السرغيني، ( محمد)،محاضرات في السيميولوجيا، دار الثقافة لنشر والتوزيع، الدار البيضاء، ط، 1987، ص:51).
وهكذا عندما نعود إلى بعض المقاطع في قصيدة( الماء أو الأوديسة) نجد تشاكلا تاما بين الأسطر الشعرية، وعلى المستوى النحوي نجد تشاكلا تركيبيّا وعلى المستوى الصرفي نجد تشاكلا من حيث عدد الأصوات ومخارجها، كما في المثال التالي:
"تنهض في هيأة أيل مجروح يركض في صحراء الليل
فيسقط
ينهض في هيأة إنسان يعبر منحدر الليل حزينا--------------
وحنينا يعبر منحدر العمر
فيسقط
ينهض في هيأة آلهة متعبة تزحف قرب الليل"
وأيضا:
"غيمة تطفو على الماء
وأسراب حمام تعبر الآن الخرابا
قمر يسقط في الرمل
وقطعان ذئاب تملأ الآن الهضابا
حاضر يركض في الريح
وأمس ضائع في غده
وغد منسلخ عن أمسه"
وهذا نتج عنه تشاكل أو تجانس إيقاعي...وبما أن بلاغتنا العربية اهتمت بالجناس، فإن التشاكل يقترب من مفهوم الجناس كمصطلح، والذي نجده في بلاغتنا العربية على قسمين: جناس تام، وجناس ناقص. فكذلك يمكننا أن تقسم التشاكل إلى بسيط ومركب. والخطاطة التالية توضح ذلك، باعتماد المقطع أعلاه:
- غيمة تطفو على الماء
وأسراب حمام تعبر الآن الخرابا
تشاكل بسيط
- قمر يسقط في الرمل
وقطعان ذئاب تملأ الآن الهضابا
تشاكل مركب
- وأمس ضائع في غده
وغد منسلخ عن أمسه
و سي محمد النجار كشاعر مجدد، باحث عن النص الشعري المتميز، يعمد في قصيدته إلى استعمال عدد من الضمائر المتنوعة بين مخاطب، وغائب ومتكلم... وهذه الضمائر الثلاثة، تمثل ضمائر البطولة في بناء القصيدة الفني.
فنجد ضمير المتكلم بمختلف تنويعاته. فالشاعر محمد النجار يتحدث في القصيدة بصيغة المضارع المفردة، التي هي لغة الدراما، والمبدوءة بهمزة المضارعة: (أسألني- ألوح- أبتكر- أسرق- لم أخن- أفكر- أفسر- أرتجف- أتسلل- أمكث- أكاد احبك- أرقبها- أهديها- أهجس- احملها- أقف- أمضغ-أجمع-أحفر- أبحث)ز وهذا يمثل الأنا الشعرية، مع تنويع في ضمير المتكلم. فنجد إلى جانب ضيغة المضارع المفردة، صيغة الماضي المفردة، وهي ارتباط الفعل الماضي بضمير المتكلم( تاء المتحركة): ( لست- كنت-تعبت- احتملت- قلت).
كما نجد اعتماد الشاعر ضمير المتكلم( ياء المتكلم) المسندة إلى كلمة( مضافة إلى كلمة) أيضا: (أفسرني- لي- مني- في- قبلي- يداي- يدي- جدي- خروجي- تعبي- لكني- بي- جسدي- طفولتي- رمادي- أبتي- ضلعي).
كما نجد ضمير المتكلم المنفصل/ الأنا المفردة: ( أنا جالس- وأنا تعبت- وكنت أنا- وها أنا- أرتجف أنا- وأنا أمضغ)، كما ينتقل إلى ضمير المخاطب والغائب:
"أيها الوجد، أيتها الواجده
لم أفكر ولو مرة واحدة
أن أفسرني لي
فهل أتسلل مني إليك
وأمكث فيك قليلا؟
وأنت كما أنت جالسة تحت حائط قلبي
هنا !
وأنا جالس تحت حائط قلبك
هل كنت قبلك في؟
أم كنت قبلي فيك؟
أكاد أحبك أكثر منك"
ومن خلال القراءة ، يتضح أن ضمير المتكلم المفرد ، هو الأكثر توظيفا واستعمالا في القصيدة.
هكذا ينفتح أمامنا سي محمد النجار ، لنكتشف شاعريته، وجماليته وفنيته. إنه شاعر يعرف كيف يخلق الشعر ، ويمتع به الآخر.